تسلط دراسة جديدة الضوء على مشكلة تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها معقدة في البلوكشين: هل يمكن ترتيب المعاملات بعدالة كاملة؟ الجواب، بحسب الطرح البحثي، هو لا في الشبكات غير المتزامنة، لان كل عقدة ترى الرسائل في توقيت مختلف ولا يوجد وقت مشترك يحسم من وصل اولا.

في الانظمة اللامركزية، تركز آليات الاجماع عادة على خاصيتين: الاتساق والاستمرارية. الاتساق يعني ان العقد تتفق في النهاية على نفس مجموعة المعاملات ونفس ترتيبها، بينما تضمن الاستمرارية استمرار الشبكة في معالجة المعاملات الجديدة. لكن هاتين الخاصيتين لا تجيبان عن سؤال العدالة في الترتيب، وهو السؤال الذي يكتسب اهمية اقتصادية مباشرة عندما يحدد الترتيب من يربح ومن يتحمل الكلفة.

هنا تظهر مشكلة MEV، او القيمة القابلة للاستخراج القصوى، حين يستغل المدققون او بناة الكتل او المنسقون موقعهم في بناء الكتلة لتحقيق مكاسب عبر التقدم على معاملات المستخدمين او اللحاق بها او حشرها بين معاملات اخرى. وبما ان من يقرر ترتيب المعاملات يملك سلطة منفردة داخل الكتلة، يصبح منع هذا السلوك بالكامل امرا غير مضمون على مستوى القواعد الاساسية للبروتوكول.

لماذا تنهار فكرة العدالة المطلقة

تقترح الدراسة معيارا اسمه عدالة ترتيب الاستقبال، اي ان تكون المعاملة التي وصلت اولا هي التي تنفذ اولا. لكن هذا المبدأ يصطدم بواقع الشبكات الموزعة: بعض العقد ترى المعاملة A قبل B، وعقد اخرى ترى B قبل A، والنتيجة قد تتحول الى دورة لا يمكن حلها بترتيب خطي واحد يرضي الجميع.

وتشرح الدراسة هذه المعضلة عبر ما يعرف بـمفارقة كوندرسيه. فقد ترى اغلبية العقد ان A تسبق B، واغلبية اخرى ان B تسبق C، ثم اغلبية ثالثة ان C تسبق A. في هذه الحالة لا يوجد ترتيب واحد يطابق التفضيل الاغلبي في كل المقارنات، ما يجعل العدالة المثالية غير قابلة للتحقيق في بيئة غير متزامنة.

كيف تتعامل بعض الشبكات مع المشكلة

بدلا من السعي الى عدالة مطلقة، تتبنى بعض البروتوكولات تخفيفات عملية. في نموذج Hashgraph المستخدم لدى Hedera، يجري بناء سجل من الاحداث داخل رسم بياني لا دوري موجه، ثم تستخدم الشبكة تصويتا افتراضيا جماعيا لتحديد الترتيب. هذا النهج يحاول تقليل مساحة التلاعب عبر ربط الترتيب بعلاقات سببية موثقة تشفيريا، ثم استخدام الوسيط الزمني عندما تكون الاحداث متزامنة جزئيا.

لكن هذا النموذج لا يلغي تماما مساحة السلوك الاستراتيجي. فالعقدة ما زالت تتحكم في توقيت نشر الحدث وفي ترتيب تمريره الى الاخرين، ما يعني ان انماط الوصول الاول قد تتغير قبل ان تدخل في حسابات الترتيب النهائي.

في المقابل، تعتمد بروتوكولات BOF على فكرة تجميع المعاملات في دفعات، ثم ترتيب الدفعات نفسها بعدالة بدلا من فرض عدالة صارمة على كل معاملة داخل الدفعة. وفي هذا السياق، قد تُجمع المعاملات التي تدخل في دورة كوندرسيه داخل كتلة واحدة، ثم يحدد ترتيبها الداخلي بطريقة حتمية مثل قاعدة قائمة على الهاش.

المقايضة بين العدالة والسرعة

توضح الدراسة ان هذا الحل ليس بلا ثمن. فبعض التصاميم مثل Aequitas تعاني من ضعف في الاستمرارية، لانها قد تنتظر اكتمال الدورة قبل انهاء الترتيب، ما يفتح الباب امام تأخير غير محدود في ظروف معينة. اما Themis فيحاول الحفاظ على نفس خاصية العدالة المخففة مع تحسين الاستمرارية عبر اخراج الدفعات تدريجيا وعدم التوقف عند اكتمال الدورة بالكامل.

وتشير الدراسة ايضا الى نسخة محسنة باسم SNARK-Themis تستخدم براهين مختصرة لتقليل عبء الاتصال بين العقد، بحيث يصبح التوسع اسهل من النسخة التقليدية التي ترتفع فيها كلفة التواصل بسرعة مع زيادة عدد المشاركين.

الخلاصة التي تخرج بها الدراسة واضحة: العدالة المثالية في ترتيب المعاملات ليست هدفا قابلا للتحقيق في الشبكات التي تفتقر الى الساعة المشتركة والاتصال الفوري. لذلك تتجه البروتوكولات العملية الى حلول وسط مختلفة، بعضها يفضل الترتيب السببي والوسيط الزمني، وبعضها يفضل تجميع المعاملات في دفعات وتخفيف شرط العدالة داخل كل دفعة. وفي النهاية، يبقى السؤال الاهم للمستخدمين والحوكمة هو: اي مستوى من العدالة يكفي، واي كلفة يمكن تحملها مقابل ذلك؟